الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

129

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويجوز أن تكون معطوفة على جملة اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الزمر : 62 ] فتكون جملة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وجملة وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ كلتاهما معطوفتين على جملة اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الزمر : 62 ] . والمعنى : هو هو ، إلا أن الحال أوضح إفصاحا عنه . ويجوز أن تكون جملة وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ عطف غرض على غرض انتقل به إلى وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه ، وجملة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اعتراضا ، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صبرة فنقصها عن مقدارها ، فصار معنى ما قَدَرُوا اللَّهَ : ما عرفوا عظمته حيث لم ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلهيته . و حَقَّ قَدْرِهِ من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي ما قدروا اللّه قدره الحقّ ، فانتصب حَقَّ على النيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع ، وتقدم نظير هذا في سورة الأنعام . وجميع : أصله اسم مفعول مثل قتيل ، قال لبيد : عريت وكان بها الجميع فأبكروا * منها وغودر نؤيها وثمامها وبذلك استعمل توكيدا مثل ( كلّ ) و ( أجمع ) قال تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً * في سورة المجادلة [ 6 ] . وقد وقع جَمِيعاً هنا حالا من الْأَرْضُ واسم الْأَرْضُ مؤنث فكان تجريد ( جميع ) من علامة التأنيث جريا على الوجه الغالب في جريان فعيل بمعنى مفعول على موصوفه ، وقد تلحقه علامة التأنيث كقول امرئ القيس : فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا وانتصب جَمِيعاً هنا على الحال من الْأَرْضُ وتقدم نظيره آنفا في قوله : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [ الزمر : 44 ] . والقبضة بفتح القاف المرّة من القبض ، وتقدم في قوله : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ في سورة طه [ 96 ] . والإخبار عن الأرض بهذا المصدر الذي هو بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق للمبالغة في الاتصاف بالمعنى المصدري وإنما صيغ لها وزن المرة تحقيرا لها في جانب عظمة ملك اللّه تعالى ، وإنما لم يجأ بها مضمومة القاف بمعنى الشيء المقبوض لئلا تفوت المبالغة في الاتصاف ولا الدلالة على التحقير فالقبضة مستعارة للتناول استعارة تصريحية ، والقبضة تدل على تمام التمكن من المقبوض وأن المقبوض لا تصرّف له ولا تحرّك .